محمد نبيل بن عبد الحكيم
عمر الفاروق الهدوي
محمد وي بي
محمد بن عبد الله
محمد بن عبد الله
الباحث في قسم الحضارة وعلومها بكلية دار الحسنات الاسلامية
تعد بلدة فنّان الساحلية الواقعة بولاية كيرلا من إحدى أهم المراكز العلمية في تاريخ المسلمين بجنوب الهند؛ فقد قصدها العلماء والفقهاء والطلاب، وأمَّ إليها عشاق العلم والمعرفة على مدى قرون طويلة، وأضحت مساجدها وحلقاتها وزواياها العلمية فضاءات نابضة بالحياة الفكرية، وزاخرة باللحظات الأدبية، ترتبط بثقافة المحيط الهندي وتتشابك مع شبكات العلوم الممتدة من الحجاز واليمن إلى سواحل جنوب شرق آسيا.
ومن الخصائص اللافتة التي تميز بها التراث العلمي في فنّان ظهور الحواشي والتعليقات الهامشية على المخطوطات العربية. تلك الكتب أو الكتابات الصغيرة تبدو للوهلة كمجرد ملاحظات جانبية، لكنها في الحقيقة عالم كامل من الأفكار والتأملات، وصدى حي للحوار العلمي الذي امتد عبر أجيال متعددة؛ لأن الباحث يمكن بالخوض إلى أعماق هذه الحواشي من رؤية دقيقة لطريقة قراءة النصوص، وأساليب التعليم، ووسائل تحيين المعرفة وفقاً لحاجات المجتمع المحلي.
قبل انتشار الطباعة، كانت المخطوطات اليدوية هي الوعاء الرئيس للمعرفة، تُنسخ باليد وتُتداول بحرص، ويورثها العلماء لتلاميذهم. وكان الهامش فيها مساحة مفتوحة لتقييد ما يراه القارئ ضرورياً: شرح مفردة غريبة غامضة أو بيان مسألة معقدة إشكالية أو نقض رأي أو تقييد خاطرة أو تثبيت قول سمعه الطالب من شيخه أثناء الدرس. ومن ثم، فإن هوامش مخطوطات فنّان ليست زخارف أو إضافات ثانوية فقط، بل هي امتداد طبيعي لحوار علمي مستمر.
ارتبط هذا النظام الهامشي ارتباطاً وثيقاً بالنظام التعليمي المعروف بـالدرس الذي ازدهر في مساجد فنّان. ففي الحلقات الدروسية أكثر ما يُملى من الكتب هي الكتب القديمة، وكان الشيخ يشرح المتن شفوياً، بينما يقوم الطلبة بكتابة النقاط المهمة في هوامش نسخهم الخاصة. ولذلك نجد في كثير من المخطوطات عبارات مثل: «قال الشيخ» أو «سمعته يقول» أو «هذا مما يلتبس على الطالب» فكلها تشير إلى أن الهامش كان بمثابة سجل شفهي مكتوب يحفظ ما كان يلقيه الأساتذة في الحلقات الدروسية.
وأيضاً، تكشف هذه الحواشي عن عملية تكييف واسع للموروث العربي الإسلامي مع الواقع المحلي في ولاية كيرلا وتحيينها بمقتضياتها. فالنصوص الفقهية الكلاسيكية، التي أُلفت في محلات بعيدة لم تتلقّ في فنّان بشكل جامد بل أُعيد استيعابها من خلال أسئلة الواقع الاجتماعي، ولذلك نجد في بعض حواشي النصوص الفقهية مناقشات تتناول عادات الزواج المحلية، وقضايا التجارة البحرية، ومسائل الإرث المرتبطة بالبنية العائلية في المنطقة. وبهذه الطريقة، أصبح الهامش ساحة لتوليد معرفة جديدة تجمع بين تراث الفقه الشافعي ومتطلبات المجتمع المتجدد ويشابهه في المنهج الحواشي في الكتب النحوية، فإنها كثيراً ما تُعالج بالأمثلة المأخوذة من اللغة الماليالامية المحلية لكنها مكتوبة بالحرف العربي. فقد لجأ الشيوخ إلى هذه الطريقة لشرح قواعد يصعب على الطالب استيعابها بمجرد الأمثلة العربية.
ولا تقتصر الحواشي على الجانب اللغوي أو الفقهي، بل تمتد إلى الجوانب الروحية، ففي مخطوطات التصوف نجد عبارات تأملية، وابتهالات قصيرة، وتعليقات ذات طابع وجداني يدوّنها القارئ لتهذيب نفسه، أو لتثبيت معنى روحي أدركه أثناء مطالعة النص. فالمخطوط إذن لم يكن مجرد كتاب، بل رفيقاً روحياً يرافق صاحبه في رحلة فهمه وبناء ذاته وتزكية نفسه وتحتوي هوامش مخطوطات فنّان على كثير من التصحيحات، لأن الأخطاء بإبدال الحروف والنقاط واردة في النسخ اليدوية، وكان العلماء يتعاملون معها بدقة شديدة، فيصوّبون الأخطاء، ويشيرون إلى مواضع السهو والذهول، ويعلقون أحياناً على سبب التعديل.
ويُرى في مخطوطات فنّان تعدد طبقات الكتابة في الهامش، فقد نجد متناً كُتب في القرن السادس عشر على أطرافه تعليقات من القرن السابع عشر، وأُضيفت إليها شروح من القرن الثامن عشر، ثم زيادات كتبها طلاب من القرن التاسع عشر أو العشرين. وهكذا يتحول هامش المخطوطات إلى فسحة زمنية تتجاوز فيها أزمنة متعددة، ويتحاور فيها علماء لم يجمعهم مجلس واحد، لكن جمعهم نص واحد، فكثير من تلك الهوامش يتضمن إشارات شخصية تسجل الظروف التي نُسخ فيها الكتاب، مثل: «كتبته في ليلة مطر»، «أتممته في رمضان»، «نسخته على يد شيخي الفلاني». وهذه الإشارات الإنسانية تمنح المخطوطة بعداً حياتياً، فتذكّر القارئ بأن وراء كل صفحة كاتباً يسهر، وطالباً يجتهد، ومعلماً يملي، وبيئة كاملة تشارك في إنتاج هذا التراث.
وأيضاً، تلك الهوامش لم تحصر بنفسها في طبيعتها في النطاق المحلي، بل آثارها توضّح على الصلات العلمية بين فنّان والعالم الإسلامي الواسع، ففيها تنبيهات إلى علماء اليمن والحجاز، وتعليقات تنقل أقوال المشايخ التي تلقاها عنهم علماء مليبار أثناء رحلاتهم للحج وطلب العلم.
ففي الخلاصة، إن تقليد الحواشي هنا في فنّان قد أصبح وثيقة تعليمية بامتياز، يحفظ ما كان يدور في تلك الحلقات العلمية منذ قرون، وتعكس بعض التعليقات طبيعة الامتحانات، والتنبيهات على المواضع المهمة، وأخطاء الفهم الشائعة، وتوجيهات بضرورة مراجعة كتب أخرى، فهذا يدل ضمناً على أن العملية التعليمية في فنّان كانت منظمة وعميقة، فهي في الحقيقة عالم واسع يختزن تاريخاً من الاجتهاد وحكمة من التفاعل وصوتاً من الماضي لا يزال يهمس في آذاننا حتى اليوم.