محمد نبيل بن عبد الحكيم
محمد وي بي
عمر الفاروق الهدوي
محمد وي بي
محمد بن عبد الله
الباحث في قسم الحضارة بكلية دار الحسنات العالية
العبادة عقد بين العبد والمعبود ، لها غايات قد أوضح الله منها الظواهر، ولها حكمة بالغة يظهر بعضها بالنصوص وبعضها بالتفكر وبعضها يخفى علينا إلا لمن أراد الله لهم أن يظهرها،والحكمة الجامعة في العبادات هي تزكية النفوس وترويضها على الفضائل وتطهيرها من النقائص وتصفيتها من الكدرات وتحريرها من رق الشهوات وإعدادها للكمال الإنساني وتقريبها للملإ الأعلى وتلطيف كثافتها الحيوانية لتكون رقا للإنسان بدلا أن تسترقه،
ومن هذه العبادات العظيمة عبادة الحج،فللحج حكم وأسرار دون ظواهر المناسك اللاتي علمناها من العبارات الفقهية،يقول الإمام الصنعاني في قصيدته الطويلة في ذكرى الحج ومنافعه :
فكم لذة كم فرحــــــــة لطوافه
فلله ما أحلى الطواف وأهناه
نطوف كأنا في الجنان وطيبه
ولا هم لا غـــــــم فذاك نفيناه
فيا شوقنا نحو الطواف وطيبه
فذلك شــــوق لا يحاط بمعناه
فمن لــــم يذقه لم يذق قط لذة
فـذقـه تذق يا صاح ما قد أُذِقْنـاه
يقول الإمام الغزالي رحمه الله عن أسرار الحج في كتابه ببيان كامل بعد أن خص الفصل الثالث لبيان الأسرار دقائق في كل أعمال الحج،بدأ الإمام بإيضاح وتبيين السر في الشوق إلى الحج قائلا إن مقصود الزيارة وهو النظر إلى وجه الله الكريم في دار القرار ولكنها بقصد البيت والنظر إليه تستحق لقاء رب البيت بحكم الوعد الكريم،
وأما العزم على الحج إذا كان قاصدا إلى مفارقة الأهل والوطن يقصد أيضا المفارقة من الشهوات واللذات، وعندما يسافر إلى غاية الحج نحو القبلة يقع لسفره العلائق والمصائب،وهذا يذكره قطع العلائق لسفر الاخرة ، فلا ينبغي أن يغفل عن ذلك السفر عند الاستعداد لهذا السفر،يتبع الإمام الغزالي رحمه الله أسرار الحج قائلا بأن الزاد مهم لقاصد الحج وينوي بما شبعه من طعام وشراب في زاده،فليتذكر أن سفر الآخرة أطول من هذا السفر وأن زاده التقوى وإنما عداه مما يظن انه زاده يتخلف عنه عند الموت ويخونه فلا يبقى معه.
وأما الراحلة لتحمل عنه العذاب وتخفف عن المشقة فعليه باتخاذ الذكر المركب الذي يركبه إلى دار الآخرة وهي الجنازه التي يحمل عليها، والنظر إلى هذه المركب أن يكون زادا له لذلك السفر على ذلك المركب، وعند الدخول إلى أعمال الحج بعد الرحلة بدأ الحجاج بلباس الإحرام، فليتذكر عند لبسه الكفن ولفه فيه، وليس فيه مخيط في هذه الثوبين، وعندما يدخل إلى ميقات الحج فليتذكر فيها ما بين الخروج من الدنيا بالموت إلى ميقات يوم القيامة وما بينهما من الأهوال ، ويجملها الإمام في عبارته « يتذكر من هول قطاع الطريق هول سؤال منكر ومن سباع البوادي عقارب القبر وديدانه وما فيه من الحيات، ومن انفراده عن أهله وأقاربه ووحشة القبر وكربته ووحدته، وليكن في هذه المخاوف في أعماله وأقواله متزودا لمخاوف القبر»
تلبية الحاج إجابة لنداء الله عز وجل وسينادي الله الخلق بنفخ الصور، فليتذكر عن هذه النداء وحشرهم من القبور وازدحامهم في القيامة مجيبين لنداء الله سبحانه.
وإذا دخل الحجاج إلى مكة كان آمنا وليرج عنده أن يأمن أيضا من عقاب الله تعالى في الآخرة وإذا وقع البصر على البيت فعليه الرجاء أن يرزقه الله تعالى النظر إلى وجهه الكريم كما رزقه الله النظر إلى بيته العظيم، والحجاج متشبهون بالملائكة الحافين حول العرش، وليس المقصود طواف الجسم بالبيت بل المقصود طواف قلبك بذكر ربك، وهذا طواف القلب بحضرة الربوبية، يضرب الإمام عن الطواف مثلا عجيبا «وأن البيت مثال ظاهر في عالم الملك لتلك الحضرة التي لا نشاهد بالبصر وهي عالم الملكوت كما أن البدن مثال ظاهر في عالم الشهادة للقلب الذي لا يشاهد بالبصر وهو في عالم الغيب وأن عالم الملك والشهادة مدرجة إلى عالم الغيب والملكوت لمن فتح الله له الباب».
وأما الاستلام هو بيعة لله تعالى على طاعته فعليك الوفاء بهذه البيعة ذاكرا المبدئ العمومي ‹ من غدر في المبايعة استحق المقت› ،وعندما تعلق الحجاج بأستار الكعبة ينوون القربة لله والتعلق برب البيت رجاء أن تحصن البدن من النار، ومثل الإمام الصفا بكفة الحسنات والمروة بكفه السيئة، قائلا أن من سعى بينهما فليتذكر تردده بين كفتي الميزان في عرصات القيامة مترددا بين العذاب والغفران.
وأما العرفة فهي اجتماع مهم وعبادة لا يحل أن يخلوا من الحج ، يجتمع فيه الأئمة والناس باختلاف الأماكن والألسنة،يشبه عرصات القيامة بأن اجتمع الأمم مع الأنبياء، فاللزوم بقلبك الصراءة والإبتهال إلى الله عز وجل، ورمي الجمار مثال للانقياد لأمر الله تعالى من غير حظ للعقل والنفس فيه عازما أن الحصى لا يرمى إلى العقبة بل إلى وجه الشيطان،فعند ذبح الهدي يرجو أن يعتق الله بكل جزء منه جزءا منك من النار، وعندما فرغ الحجاج من مناسك الحج يدخل إلى المدينة المنورة لزيارة النبي ﷺ، فالمؤمن يذكر عندما وقع النظر إلى المدينة بالأمور التي فقد له من صحبة خاتم النبيين ﷺ وأصحابه في هذا الزمن ورؤيته مباشرا، ويجب أن يسلم القلب ويحسن الأخلاق من الرديء والذنوب حتى لا يقع بينه وبين رؤية النبي ﷺ في الآخرة مانعا أو حاجزا ، وعندما يزور روضة النبي ﷺ واقفا لدى قبره يدعو الله تعالى أن لا يفارق بينه بينهم يوم القيامه، فإذا فرغ الحجاج منها فينبغي أن يلزم قلبه الحزن والهم والخوف وأنه ليس يدري أقبل منه حجه أم رد حجه.
إن أشعار الحج منذ إحرامه إلى حين رمي جمرة العقبة والحلق «لبيك اللهم لبيك»، ومعنى ذلك أنني خاضع لك منقاد لأمرك مستعد لما حملتني من الأمانات، وهذه التلبية ترهف شعور الحاج وتجرد عن عاداته ونعيمه وتسلخه من مفاخره، والحج اجتماع المساواة والأخوة بين الناس تتجلى فيه روح المساواة ومعاني الإخوة بأرقى أشكالها، وهي منبع الوحدة ومظهرها، فالوجهة والهدف واللباس واحد مع تباين ألسنتهم وتفارق أمكنتهم، فالحج وقت ذكر الله تعالى كما قال تعالى (لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ)، وهذا ميدان لكثرة الذكر والتسليح كما أمرنا الله تعالى (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ) وهذه الأذكار يعطي لنا التذكير بالرحيل إلى الدار الآخرة كما مثل القائل بأن الحاج يغادر وطنه الذي ألفه ونشأ في ربوعه وكذا الميت إذا انقضى أجله يغادر دنياه التي عاش فيها، والميت يجرد ثيابه ويغسل ويكفن في أكفان بيضاء وكذا الحاج يتجرد من صيامه طاعة لله ويغتسل ويلبس رداءين أبيضين لإحرامه، وفي عرفات والمشعر الحرام يجتمع الحجيج في صعيد واحد وفي يوم القيامة يبعث الناس ويساقون إلى الموقف! ما أجمل هذا التشبيه التي يوهم الحج مظهرا مصغرا ليوم القيامة، والحج يربط المؤمنين بقبلتهم التي يولون وجوههم شطرها في صلاتهم المفروضة خمس مرات في كل يوم.
يختلف الجزاء للحج كما اختلف هيئته، أعطى الله الجزاء العظيم لمن يحج بيته مفارقا لسائر العبادات، إذ قال ﷺ عن الصلاة «الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما» وعن الجمعة «الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما» وعن العمرة «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» يقول ﷺ عن الحج «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» وهذا النص يدل على أن للحج أسرارا وأحكاما عديدة مختلفا منه لسائر العبادات في الإسلام.
هذا موعد لإعادة ذكر الأسلاف من الأنبياء والعلماء والصالحين، الذين أموا هذا البيت المبارك، فيذكر نبي الله إبراهيم عليه السلام وهجرته مع زوجه وما وقع عليهم من البلاء والإمتحانات ويذكر قصة إسماعيل عليه السلام وقصة بناء البيت وذكر نبينا محمدا ﷺ وأصحابه وما لقوا على السطح من الأرض من الكفار وحجة الوداع التي قال عنها القرآن ((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي)).
لما أشار الله تعالى عن الحج في القرآن يعتمد على منهج متفرق من الإشارات لسائر العبادات حينما قال الله تعالى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) قال شهاب الدين القرافي رحمه االله» ولم يقل كذا في الصلاه وغيرها وهذا يدل أهمية عبادة الحج وأسرارها والإخلاص التي يحتاج فيها.
وأسرار الحج وحكمها يطول ما طال الأرض وما عليها ويغلب صفحات الكتب ودواء الأقلام، وما وجدها وقت رجل عاش الدهر إلا خلا فيها،عد من يعد وحصر من يحصر،وما بلغ أحد ما كان من الأسرار،بعض الأدباء يدونها أشعارا وبعضها قصصا ومقالات،بل يبقى الأسرار كالسنام والجبال ،لا يخرها من يقذفها، والحج لا يكاد يقص عنها وعن أسرارها كما قال الشاعر
بلدة عظــــمى وفـي آثارهـا
أنفع الذكـــــرى لقوم يعقلون
شب في بطحائها خير الورى
وشـــــبا في أفقها أسمح دين