ريادة مسلمي كنور في إثراء المكتبة العربية - Al Midad
تاريخ النشر 2026-05-22 00:48:03 ملف العدد

ريادة مسلمي كنور في إثراء المكتبة العربية

صورة الكاتب

عمر الفاروق الهدوي

باحث في اللغة العربية وآدابها، جامعة كنور

ربما لا يعرف كثير من القراء العرب أن على الشاطئ الغربي للهند، حيث تلتقي أمواج بحر العرب برياح جبال اللغات الغربية، تنبض مدينة عريقة بعشق الضاد وعلومها. مدينة كنّور لم تكن يوماً مجرد ميناء تجاري، بل كانت جسراً حضارياً تعبر عليه المعرفة الإسلامية بين جزيرة العرب والمشرق الهندي. فعلى أرصفتها تنزّل العلم مع السفن، وفي مدارسها تحوّل الوافد إلى موروث، والموروث إلى إبداع.

والحديث عن الأدب العربي في كنّور ليس حديثاً عن هامش ثقافي، بل هو قراءة في نموذج فريد لتوطين اللغة العربية في بيئة غير ناطقة بها، نموذج أفرز تفاسير قرآنية من أضخم ما أُلِّف في شبه القارة، ومصنّفات حديثية اعترفت بها أكاديميات بيروت والقاهرة، وشعراً عربياً لم يُقلّد الموروث بل حاوره.

مدينة كنّور لم تكن يوماً مجرد ميناء تجاري، بل كانت جسراً تعبر عليه المعرفة الإسلامية بين جزيرة العرب والمشرق الهندي

في مجال تفسير القرآن

حين يُقال إن عالماً هندياً من كيرالا أنجز تفسيراً عربياً للقرآن الكريم في سبعة مجلدات يتجاوز مجموعها أربعة آلاف صفحة، فإن الكثيرين قد يترددون في تصديق ذلك. غير أن السيد إسماعيل شهاب الدين البخاري (1936–2010) أتمّ هذا العمل الذي سمّاه «على هامش التفاسير» على مدى تسع سنوات متواصلة. والرجل ينتسب إلى سلسلة علمية ذهبية تصل بأولها إلى السيد أحمد جلال الدين البخاري- واحدة من أعرق الأسر العلمية التي رسّخت الإسلام في ساحل المالابار. ما يميّز هذا التفسير أنه لا يستنسخ المناهج التقليدية استنساخاً آلياً، بل ينسج بين ثنايا النص القرآني خيوطاً من اجتهاد صاحبه وفهمه العميق للواقع الهندي والإسلامي المعاصر. 

علم الحديث 

ثمة فارق دقيق بين من يدرس الحديث النبوي ومن يسكنه. الشيخ حسن حسرت من فافينيشيري المشهور ب"شيخ الحديث" (1915–1982) كان من النوع الثاني. عاش في خدمة الحديث حتى أصبحت مصنّفاته مرجعاً لا يُستغنى عنه في كبرى المدارس الدينية في جنوب الهند، ولا سيما شرحه على صحيح البخاري الذي بلغ من الدقة والاستيعاب حداً دفع العلماء إلى القول إن كيرالا أنجبت محدّثاً عالمياً.

ولم يقف الإسهام الحديثي عند حدود التأليف التراثي؛ إذ جاء الدكتور حمزة المليباري الكنّوري بمنهج أكاديمي معاصر يُعيد قراءة علوم الرجال والجرح والتعديل بأدوات النقد الحديث، فأصبحت كتبه مقررةً في جامعات عدة في المشرق والمغرب. وفي السياق ذاته أنجز الدكتور حمزة مؤلَّفه الحديثي الضخم في سياق حوار معرفي رصين مع الدكتور ربيع بن هادي المدخلي، وهو ما يكشف عن حيوية الاشتباك العلمي بين علماء كنّور ونظرائهم في العالم العربي.

الفقه الإسلامي

يصعب على المرء أن يُصدّق أن أول مصنَّف عربي دُوِّن في كيرالا كتبه عالم كنّوري في القرن الثامن الهجري، لكن الوقائع التاريخية تثبت أن ذلك الكتاب هو «قيد الجامع» المنسوب إلى الفقيه حسين أحمد، وقد تناول هذا الكتاب مسائل النكاح وأدق اجتهادات الفقه الشافعي بلغة عربية انتقاها صاحبها بعناية فائقة.

ومضت الرحلة الفقهية بعد ذلك لتُفرز مصنّفات شارحة ومعلِّقة، كان من أبرزها "المدارج في تقرير الغاية والتقريب" و"النبراس في مسلك الفقه الشافعي" كلاهما للسيد اسماعيل شهاب الدين البخاري،. ولعل من أطرف ما يُروى أن فتاوى علماء كنّور طافت تركيا وشبه الجزيرة العربية مطبوعةً ومتداوَلة، ممّا يعني أن كنّور لم تكن مستقبِلة للفقه فحسب، بل كانت مُصدِّرةً له.

  التصوف والتاريخ

لا يمكن الحديث عن الأدب العربي في كنّور بمعزل عن التصوف الذي كان يمثّل الشريان الروحي الذي يجري فيه الإبداع الأدبي والفكري. فالشيخ محمد عبد الحفيظ الشاذلي لم يكن صوفياً يعتزل الكتابة، بل كان يرى في التأليف امتداداً للسلوك؛ فكتب في محطات الطريقة الشاذلية وأسرار مقاماتها بأسلوب يجمع بين رصانة الفقيه وشفافية المتصوف.

أما على صعيد التاريخ، فإن السيد حامد البخاري -الذي توفي قبل 1240 الهجرية- خلّد الغزوات النبوية في قصيدة ملحمية ببلاغة لافتة باسم "قصيدة الشادية"، وكذلك "القصيدة البالافتنية"، التي ألفها السيد محمد بن عمر باعلوي، يشرح فيها أن الإسلام وصل في كيرالا في عصر النبوة، وقد ألف السيد اسماعيل شهاب الدين البخاري كتبا في التاريخ مثل "نكات من تاريخ الإسلام مع تعليقات شذرات الذهب" في 427 صفحة. 

الصحافة 

لا يكتمل الإنتاج الأدبي دون فضاء نشر يحتضنه. وقد أدركت كلية دار الحسنات الإسلامية بكنّور هذه الحقيقة، فأطلقوا عام 2011 مجلة «المداد» نصف الشهرية — وهي الأولى من نوعها في المنطقة — لتكون منبراً للكتابة العربية الشبابية بعيداً عن رسمية المؤسسات الكبيرة. صدر العدد الأول في إبريل من ذلك العام وسط احتفال شعبي، واستقطبت المجلة سريعاً ثناء القراء من الطلاب والأكاديميين على حد سواء.

في نهاية المطاف، حين نتأمل هذا الزخم المعرفي والأدبي الذي أنتجته كنّور على مدى قرون، ندرك أن اللغة العربية ليست ملكاً حصرياً لأهلها الأصليين، بل هي حضارة تتجاوز الجغرافيا لتعشّش في قلوب من أحبّوها وأخلصوا لها. وكنّور نموذج ناصع على أن الأطراف قد تُنجز ما لم تُنجزه المراكز. فهل آنَ الأوان لأن تُدرج الأكاديميات العربية هذا الإرث في برامجها وتُولِيه ما يستحق من البحث والتوثيق؟



عدد المشاهدات
x fb whatsapp