رحلة العلوم الإسلامية: كيف وصل  التعليم الإسلامي إلى كيرالا - Al Midad
تاريخ النشر 2026-05-22 15:32:11 ملف العدد

رحلة العلوم الإسلامية: كيف وصل التعليم الإسلامي إلى كيرالا

صورة الكاتب

محمد نبيل بن عبد الحكيم

باحث في قسم الحديث وعلومه بكلية دار الحسنات االسالمية


الحمد لله الذي علم بالقلم،  وشرّف الإنسان بفضيلة العلم،  والصلاة والسلام على المعلم الأول والمربي الأعظم،  سيدنا محمد بن عبد الله،  صلى الله عليه وسلم،  الذي بُعث بالرحمة المهداة وأحسن الأخلاق والكرم،  وعلى آله وصحبه الذين نشروا مشاعل النور والعلم،  ومن تبعهم بإحسان إلى يوم تُحشر فيه الأمم.
فإن من أعظم نعم الله تعالى على هذه الأمة العناية بالمنظومة التعليمية والتربوية ومن أعظم المرتكزات التي ضمنت للأمة الإسلامية حفظ هويتها،  وصيانة نسقها العقدي والفقهي عبر تعاقب الأزمان بأيدي رجال وعلماء ربانيين يحملون لواء العلم،  وإذا ما سبرنا غور الخريطة المعرفية للعالم الإسلامي،  
تستوقفنا بقعة جغرافية مباركة في جنوب شبه القارة الهندية؛ ألا وهي كيرلا حاليا ومليبار تاريخيا،  ومن المهم لنا تتبع الجذور التاريخية،  والمقاربات المؤسسية للتعليم الإسلامي في هذه الديار؛ وكيف تطور من حلقات المساجد البدائية إلى أروقة الكليات الأكاديمية،  وصولاً إلى الدور التاريخي المحوري الذي نهضت به جمعية العلماء لعموم كيرلا،  والتي هندست العقل المجتمعي هناك عبر تفعيل ثنائية الشعار الخالد: التعليم والتربية.

البدايات التأسيسية: رحلة العلم مع قوافل التجارة والدعوة

يتفق المحققون من المؤرخين على أن إشراقات الإسلام الأولى قد لامست سواحل كيرلا إبان العهد النبوي الزاهر أو في صدر عصر الصحابة رضوان الله عليهم،  ولم يكن هذا الفتح المعرفي وليد صليل السيوف،  بل كان ثمرةً لتلاقح حضاري سلمي،  وتجلّياً عملياً لمكارم الأخلاق التي تحلى بها الرواد من التجار العرب ودعاة الحجاز.
ومع رسوخ العقيدة الإسلامية في الوجدان المليباري،  انبثقت الحاجة الملحّة إلى مأسسة نقل المعرفة؛ فالدين الذي كانت أولى رسالاته ﴿اقْرَأْ﴾ لا تنهض أركانه إلا بالوعي والفهم،  وسرعان ما تحولت المساجد العتيقة التي شيّدها الرعيل الأول كأمثال مالك بن دينار وأصحابه في كاسركود،  ومادايي،  وكودنغلور،  وكولم إلى محاضن إشعاع روحي ومعرفي،  ولم تكن هذه البقاع دور للنسك،  فإنها مثّلت النواة الأولى للجامعات الإسلامية؛ حيث انتظمت فيها حلقات تلقين الوحي،  وتدارس الأحكام الفقهية،  وضبط المرتكزات العقدية وفق مقررات أهل السنة والجماعة،  لتغدو هذه البدايات حجر الزاوية الذي شيدت عليه صروح المعرفة في الحقب اللاحقة،  لقد كان هذا النمط البدائي من التعليم هو الأساس المتين الذي بنيت عليه صروح المعرفة في القرون اللاحقة.

دور المخاديم ونظام الدرس
لم تتبلور المنظومة التعليمية في كيرلا كنسق أكاديمي منضبط المعالم إلا مع السطوع التاريخي لأسرة المخاديم العلمية العريقة في مدينة فنان (Ponnani)،  والتي يمتد نسبها إلى الشيخ أحمد المعبري المخدوم،  لقد أحدثت هذه الأسرة ثورة إبستمولوجية انتقلت بالتعليم من طابعه العفوي إلى نظام أكاديمي بالغ الرصانة،  عُرف اصطلاحاً بـ نظام الدرس (Dars System)،  وقد بلغت هذه الحركة العلمية ذروتها حين أصبحت مدينة فنان تُلقب بـ أزهر الهند،  يقصدها طلاب العلم من شتى الأصقاع،  ولم يكن هذا اللقب مبالغة عابرة؛ فقد جذبت هذه الحركة العلمية كبار علماء العالم الإسلامي.
وكان هذا النظام يعتمد على استراتيجية تكافلية فريدة؛ حيث تحتضن المساجد الكبرى الطلبة ويوفر المجتمع المحلي سبل معيشتهم،  ليتفرغوا تماماً لتلقي منهج علمي متكامل يشمل: الفقه الشافعي،  والعقيدة الأشعرية،  والتفسير،  والحديث،  وعلوم الآلة من نحو وبلاغة ومنطق،  بفضل هذا النسق الصارم،  تحولت فنان إلى مكة مليبار وأزهر الهند،  وجذبت إليها كبار المحققين،  ولعل أبرزهم الإمام ابن حجر الهيتمي المكي الذي تقلد أمانة التدريس فيها،  مما يعكس عمق التأصيل في مباحث الفقه الشافعي وأصوله،  وقد تجلت الفلسفة التعليمية للمخاديم –وعلى رأسهم صاحب تحفة المجاهدين الشيخ زين الدين المخدوم– في ترسيخ الفقه كإطار ناظم لحياة الفرد والمجتمع،  مما أثمر جيلاً من العلماء الربانيين الذين قادوا حركة المقاومة الفكرية والمادية ضد الغزو الاستعماري البرتغالي وتصدوا لاحقا للتحديات الاستعمارية بقوة العلم والفتوى.

الدافع التربوي: ميلاد قلعة أهل السنة في كيرلا
ظلت حلقات الدرس تؤدي رسالتها بنجاح مطرد،  إلا أن التحولات الجيوسياسية في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين،  والمتمثلة في تعاظم الهيمنة البريطانية وتغلغل أنساق التعليم العلماني الغربي،  فرضت تحديات غير مسبوقة،  أدرك العقل المليباري حينها حتمية الانتقال من طور الحلقات الفردية إلى هيكلة المؤسسة ارلأكاديمية الشاملة، تجسدت هذه الرؤية الاستشرافية في تأسيس كلية إصلاح العلوم العربية بمدينة تانور عام 1924م،  مثلت طفرة نوعية ونقطة التحول المفصلية في تاريخ التعليم المليباري؛ حيث استُحدث لأول مرة نظام الفصول الممنهجة،  والمقررات المرحلية التي تزاوج بين أصالة التراث وصرامة التنظيم الأكاديمي الحديث،  لتعبد الطريق أمام النهضة التعليمية الكبرى التي ستتلوها.


تحديات الهوية وبزوغ فجر سمستا
عقب فواجع عام 1921م،  وجدت الأمة في كيرلا نفسها بين مطرقة الاستعمار الثقافي البريطاني،  وسندان التيارات الفكرية الوافدة التي حاولت تقويض التراث السني،  واختراق المرجعية الفقهية العريقة الأشعرية/الماتريدية في العقيدة،  والمذهبية الفقهية،  والتصوف السني السالك،  أمام هذا المنعطف الوجودي،  تداعت همم كبار السادة والعلماء،  وفي طليعتهم السيد فركل ملاكويا تنغل،  لتشكيل سياج مؤسسي منيع،  تُوّج بإعلان تأسيس جمعية العلماء لعموم كيرلا عام 1926م،  لم تتوقف الجمعية عند حدود المدافعة الجدلية،  بل اتخذت من ثنائية التعليم والتربية فلسفةً ناظمة لعملها،  فقد أدركت قيادة سمستا أن التعليم المجرد دون تزكية يُنتج عقلاً قادراً على التنظير ولكنه قاصر عن الخشية،  وأن التربية الخالية من التأصيل العلمي قد تفضي إلى الانحراف.

المدارس:عبقرية نظام التعليم للعالم بأسره
وكان تأسيس لجنة تعليم الدين الإسلامي لعموم كيرلا (SKIMVB) عام 1951م،  أعظم ابتكار اجتماعي في تاريخ الجمعية،  فبدلاً من عزل المسلمين عن عجلة التعليم الدنيوي،  هندست سمستا نظاماً موازياً يعتمد على المدارس الصباحية والمسائية،  تتيح هذه الاستراتيجية للطفل المسلم تلقي التأسيس العقدي والفقهي واللغوي في الصباح،  قبل الانخراط في التعليم العام،  واليوم،  تقف أكثر من 10,000 مدرسة شاهدة على نجاح هذه الفلسفة التي استأصلت الأمية الدينية وحصّنت النسيج المجتمعي.

الصروح الأكاديمية العليا: النهضة العلمية المتكاملة
لم تقتصر الاستراتيجية التعليمية لـ جمعية العلماء لعموم كيرلا (سمستا) على إرساء دعائم التأسيس الابتدائي فحسب؛ بل تصدت بحنكة بالغة لمتلازمة الفصام النكد التي أفرزتها عجلة الحداثة،  والمتمثلة في اتساع الهوة السحيقة بين خريجي الكليات الشرعية المنعزلين عن الواقع العضوي للأمة،  وخريجي الجامعات العصرية المفتقرين للمرجعية الدينية الأصيلة. ولردم هذه الفجوة المعرفية،  أطلقت الجمعية سلسلة من مشاريع التعليم العالي التي تبلورت أبعادها في نماذج مؤسسية كبرى،  شكلت مجتمعةً لوحة فسيفسائية لنهضة علمية متكاملة الأركان،  تعيد صياغة العقل المسلم وفق مقاربة تدمج بين الأصالة الموروثة والمعاصرة المنضبطة.

الجامعة النورية العربية: أم المدارس المليبارية
وتتصدر الجامعة النورية العربية في باتيكاد المشهد بوصفها المرتكز الأول للتعليم العالي في كيرلا الحديثة؛ حيث أُسست عام 1963م استجابةً لنداء العصر،  وافتتح مسيرتها التدريسية فضيلة الشيخ قطبي محمد مسليار. لقد صُمم هذا الصرح الأكاديمي ليكون بمثابة أزهر مصغر في جنوب الهند،  منتدباً نفسه لمهمة الإغراق في أمهات الكتب التراثية،  والفقه الشافعي،  وعلوم الآلة. 
وقد أثمرت هذه الجهود الجبارة عن تخريج آلاف العلماء المتمرسين الذين يحملون لقب الفيضي،  والذين شكلوا خط الدفاع الأول عن العقيدة السنية الصافية،  وانطلقوا في ساحات الدعوة العالمية مؤسسين أذرعاً فاعلة كمنظمة نور العلماء التي رفدت المكتبة الإسلامية بآلاف المصنفات الرامية إلى نشر الوعي الديني الأصيل وتحصين الهوية الإسلامية.

الكلية الرحمانية العربية: بداية الدمج بين الأصالة والمعاصرة

وفي أثناء هذه التطورات،  برزت الكلية الرحمانية العربية في كدميري كواحدة من أعرق المؤسسات التعليمية التابعة للمنهج السني في شمال كيرلا،  متميزةً بصرامتها الأكاديمية وبيئتها التربوية التي تُحاكي نظام التزكية الروحي جنباً إلى جنب مع التحصيل المعرفي. ولم يقتصر دور الكلية على التلقين الإيداعي البحت،  بل أسهمت بفاعلية في صياغة عقلية طلابية بحثية حيوية،  يتجلى أثرها الناصع في جمعيتها العريقة بهجة العلماء. لقد أسست الكلية لجانها المتعددة لتدريب الطلاب على فنون الخطابة،  والتحرير الصحفي،  ومواجهة النوازل الراهنة،  مما أحال خريجيها إلى أقطاب فاعلة في حقل التوجيه المجتمعي الرشيد،  وقادة رأي يمتلكون أدوات التأثير والإقناع.

جامعة دار السلام الإسلامية: منبع العلوم والفنون
وفي نفس الآونة،  إدراكاً لضرورة توسيع قاعدة الدراسات العليا المتقدمة،  انبرت جامعة دار السلام الإسلامية في منطقة ناندي كرافد أساسي وقلعة شامخة ضمن منظومة سمستا،  مضطلعةً بمسؤولية تخريج نخبة من العلماء المحققين،  الذين يُتوّجون بلقب الدارمي. لقد تبنت هذه الجامعة مقاربة منهجية رصينة تدمج بين الأصالة المتجذرة في استقراء متون الفقه والشريعة،  وبين استيعاب آليات الخطاب الدعوي الحديث،  لتضحي بذلك مصنعاً للكفاءات العلمية المؤهلة التي أثرت الساحة الهندية والدولية،  وأسهمت بفاعلية مشهودة في دعم حركة النشر والتأليف الإسلامي المعتدل،  مشكلةً حصناً فكرياً منيعاً للذود عن حياض العقيدة الأشعرية وتفنيد الشبهات المستوردة.

جامعة دار الهدى الإسلامية: 
مثال لا مثيل لها في التاريخ
وإذا كانت الصروح السالفة الذكر هي حارسة التراث الأكاديمي الأصيل،  فإن جامعة دار الهدى الإسلامية تمثل ذروة التتويج لنجاح فلسفة الدمج الأكاديمي،  حيث تأسست كأكاديمية عام 1986م بجهود مفكرين كبار أمثال الشيخ إم. إم. بشير مسليار والشيخ سي. إتش. عيدروس مسليار،  وتطورت رسمياً لتصبح جامعة متكاملة عام 2009م. لقد استلهمت دار الهدى مبدأ وحدة المعرفة الإنسانية في الرؤية الإسلامية،  لتقدم حلاً جذرياً يجمع بين عمق العلوم الشرعية ورصانة العلوم العصرية،  مخرجةً قيادات فكرية مجتمعية يُعرفون بلقب الهدوي. وتتجلى القيمة الإبستمولوجية الفائقة لهذه الجامعة في المكانة المركزية التي يحتلها قسم الفقه وأصول الفقه،  والذي يمثل العصب الحيوي لإنتاجها الأكاديمي؛ إذ إن انخراط الباحثين في هذا الحقل لإجراء دراسات عليا معمقة لم يكن استدعاءً نمطياً للتراث،  بل هو خيار استراتيجي صارم لتسليح العقل الباحث بأدوات القياس الدقيقة،  ومناهج الاستنباط،  وفنون الجدل،  وفهم المنطق الداخلي في إدارة الخلاف الفقهي،  وهو ما يمنح خريجيها المَلَكَة النقدية لتفكيك النوازل المعاصرة وإنتاج خطاب إسلامي عقلاني منضبط،  منزّه عن مهاوي الجمود أو الذوبان.
ولم يقف الإشعاع المعرفي لجامعة دار الهدى عند حدود ولاية كيرلا الإقليمية،  بل تجاوزه ليأخذ أبعاداً قومية وعالمية عبر منجزات أكاديمية كبرى،  تجلت في التوسع الوطني الاستراتيجي بإطلاق المعهد الوطني للدراسات الإسلامية والمعاصرة،  وتأسيس فروع تعليمية في ولايات نائية كأندرا برديش وممباي والبنغال الغربية. وتوازى هذا التمدد الجغرافي مع ريادة إعلامية وفكرية أثبتت الحضور الفاعل لخريجيها،  المنضوين تحت لواء اتحادهم هادية،  عبر منصات رقمية رائدة كـإسلام أون ويب،  وإصدار مجلات فكرية رصينة كمجلة الضياء (تليشم) التي تخاطب النخبة المثقفة وتقارب قضايا الفكر والسياسة برؤية شرعية مؤصلة. وقد تُوجت هذه الجهود الأكاديمية الجبارة بانضمام الجامعة الفاعل لاتحاد جامعات العالم الإسلامي ورابطة الجامعات الإسلامية،  وحصولها على الاعتمادات والمصادقات العلمية من مؤسسات عريقة كجامعة الأزهر الشريف بمصر،  وجامعة جواهر لال نهرو بنيودلهي.

الفذلكة
وفي نهاية المطاف،  إن استنطاق الذاكرة التاريخية لمسيرة التعليم الإسلامي في ديار كيرلا لا يضعنا قط أمام مجرد سردية كرونولوجية لأحداث غابرة؛ ولكنها في الحقيقة يشرع أمامنا نوافذ التأمل في أنموذج بحثي وتطبيقي بالغ العبقرية،  يُبرهن بجلاء على ما تكتنزه الكيانات الأهلية المخلصة من قدرة فائقة على هندسة العقل الجمعي وصياغة وجدان المجتمعات. لقد أقامت «جمعية العلماء لعموم كيرلا» الدليل الساطع والبرهان القاطع،  من خلال صروحها الأكاديمية الشامخة كالجامعة النورية التي أمّنت حياض التراث،  والكلية الرحمانية التي صقلت الكفاءات،  ودار الهدى التي توجت مسار الدمج المعرفيعلى أن الاعتصام المتين بالثوابت الفقهية والمنهجية الأصولية لا يقف البتة حجر عثرة في وجه استيعاب مقتضيات الحداثة المعاصرة،  بل يمثل الركيزة الصلبة والبوصلة الضابطة التي تُهذّب مساراتها وتوجّه دفتها نحو بر الأمان.وبفضل هذا التفاني المنقطع النظير،  والإخلاص لتلكم الثنائية الخالدة القائمة على التزاوج الوثيق بين مساري «التعليم والتربية»،  استحالت ديار كيرلا إلى طودٍ معرفيٍ أشم،  وحصنٍ عصيٍّ تتكسر على أسواره نصال الشبهات وتيارات الانحراف. لقد غدت هذه الديار المباركة منارةً إشعاعيةً وتنويرية تتجلى فيها سماحة الوسطية الإسلامية في أبهى حللها وأرقى تجلياتها،  لتقف الأيام كشاهدِ عدلٍ على هذه الديمومة المعرفية المتجددة لمنهج أهل السنة والجماعة،  ولتظل شجرتهم الوارفة في ربوع شبه القارة الهندية أصلها ثابت وفرعها في السماء،  تنير البصائر وتصنع قادة الفكر والأمة،  ومشعلاً يهدي الأجيال المتلاحقة،  وموئلاً تفتخر به الأمم.

عدد المشاهدات
x fb whatsapp