محمد شيث بن حنيف
محمد نبيل بن عبد الحكيم
محمد وي بي
عمر الفاروق الهدوي
عمر الفاروق الهدوي
عبد المجيد الهدوي
الباحث في قسم الحضارة وعلومها بكلية دار الحسنات الاسلامية
«يا أيها الناس اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا»
هكذا كانت كلمات النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته بمنى في حجته الوداع و فقد شعر أصحابه الكرام بأن فيها إشارات إلى قرب رجوعه إلى حضرة ربه , حينما نزلت الآية الشريفة «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا» اعترف عمر بن الخطاب حقائق هذه الأية وخاض في عمق معانيه فبكى عمررضي الله عنه بها فسأله أي شيئ يبكيك فقال « إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان» فهذه الآية وكلمات النبي صلى الله عليه وسلم كانت تشير إلى فضاء لا يملأ وجرح لا تندمل لأن فراق النبي كان أشد كآبة على الناس جلّة و على الصحابة خاصة فهذه اللمحة من فترة أخيرة في سيرته تعبر عن حجته الوحيدة بعد ما شرعه الله في الإسلام.
«وللّه على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا» ولم يمكن للنبي ﷺ أن يحج غير هذا الحج فكانت أوله وآخره , فعزم النبي ﷺ على الحج و أعلم الناس أنه حاج فخرج يريد بيت الله تعالى بعد الظهر لخمس بقين من ذي القعدة و معه بحر من الناس عن يمينه و شماله وأمامه وورائه يبلغ عددهم أكثر من مائة ألف كلهم يقصدون صحبة النبي ﷺ لمرة أخيرة فقد فرض الحج والنبي ذا يعلمهم كيفيتها وهو أحق من يعلمه لأنه هو الرسول و لكن لم يكن هذا التعليم شفويا فقط بحيث يبين الرسول عن هيئته و صورته فأركانه وواجباته و لكن كانت تطبيقيا كما قال النبي ﷺ «خذوا عني مناسككم»
حج رسول اللّه ﷺ
فخرج النبي من المدينة في ذي القعدة و خطبهم يعلمهم كيفية الإحرام و واجباتها و سننها ثم لبى مبتدأ مناسكه «لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك» فكانت هذه الكلمات من دعاه الله إلى بيته الحرام.
دخل النبي ﷺ مكة في رابع ذي الحجة فدخل مسجد الحرام وطاف بيت الله وسعى بين الصفا والمروة بقول الله تعالى (إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) ثم أقام النبي بمكة أربعة أيام ثم توجه بمن معه قاصدين منى في ثامن ذي الحجة فصلى بها الظهر والعصر و بات فيها.
حينما طلعت الشمس في آفاق يوم التاسع خرج النبي ﷺ إلى عرفة وخطب بها الناس في صعيد عرفات فوق هضبة صغيرة تدعى جبل الرحمة ويبعد عن مكة حوالي 22 عام.
خطبة حجة الوداع
هنالك خطب النبي صلى الله عليه و سلم خطبة وجيزة تتضمن أهم محاور قيمية وأسست مبنى وأصلا لحقوق الإنسان والمرأة حتى فرض منها العالم المعاصر لوضع الإعلان لحقوق الإنسان سنة 1948م. والجدير بالذكر هنا أن الحقوق والقيم التي اعترفها العالم حديثا كانت مقضية في ديار الإسلام قبل 14 قرونا.
أشار النبي ﷺ في خطبته بعد ما حمد الله الثناء عليه وأمر بالتقوى وطاعته إلى أهمية حرمة الدماء والأموال والأعراض فقال: «أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحمرة يومكم هذافي شهركم هذا في بلدكم هذا» ثم ذكر الحوامنين باليوم الأكثر ومحاسبة الله للخلائق أجمعين.
انتقل النبي ﷺ بعدها إلى تحذير المسلمين من العودة لعارات الجاهلية وأخلاقها السيئة وأعلن بالابتعاد عنها قائلا «ألا وإن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعه وإن ربا الجاهلية موضوع»، يعني على باطل لا اعتناء قيمة ذرة في الدائرة الإسلامية وقد أشر بعدها تحذيرا من كيد الشيطان واتباع خطواته.
ثم ذكر النبي ﷺ في خطبته عن مكانة المرأة في الإسلام وأبطل كل أعمال جاهلية تقصف بشرفها وعزتها واختلق فيهم بيئة تعاني فيها المرأة بحقوقها بكل سعادة وفرحا بعدما كان أمر الجاهلية مثل وأد البنات يسع في العرب وخطب الناس فقال: «اتقوا الله في النساء، فإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحلاق فروجهن بكلمات الله واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عندكم عوان لا يملكون لأنفسهن شيئا.
وأعلن هنا قائدة التساوي والوحدة في الجنس البشر وابتعاد من كل مقادير التخالف ومصادر التفاضل وبنى معيارا حقيقيا تقدر به التفاضل وأنه هو التقوى والعلم والعمل الصالح فقال: «أيها الناس، إن ربكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي فضل على على أعجمي إلا بالتقوى، ألا هل بلغت، اللهم اشهد».
فلما فرغ من خطبته أمر بلالا فأذن فأقام الصلاة وصلى الظهر ركعتين ثم أقام للعصر وصلى ركعتين ثم اتجه إلى موقف بعرفة فوقف وهو على بعيره وكان من تلقاء المكان أن آية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) نزلت ولما غربت الشمس أفاض من عرفة حتى أتى المزدلفة وصلى هنالك المغرب والعشاء ثم نام حتى أصبح ثم صلى الصبح في أول وقته وقصد إلى منى حتى قدم جمرة العقبة فرماها.
ثم رجع إلى منى فبات بها فلما أصبح انتظر زوال الشمس حتى قدم إلى الجمار فرمى بالجمرة الأولى ثم الوسطى ثم الجمرة الثالثة الجمرة العقبة وخطب بها الناس خطبتين خطبة يوم النحر وخطبة ثانية في ثاني يوم النحر وقد كرر فيها الأمور بما أن الموضوعات تدعى انتباها خاصا ولا يمكن أن يخلو منها ولأن حاجة المسلمين إليها كانت أشد الحاجة فكررها ونصح بها وأوصى بها بأن لا يزيغ قدمهم بعده عن هذه الأمور، ثم انصرف إلى المنحر بمنى فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده وهو عدد سني عمره ثم أمسك وأمر عليا لينحر ما بقي من المائة ثم استدعى حلاقا فحلق رأسه وقسمه بين أصحابه ثم قصد إلى مكة راكبا فطاف طواف الإفاضة، فلما أتى ذا الحليفة، بات بها فلما رأى المدينة كبر ثلاثا مرات وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» ثم دخلها نهارا.