حكاية المعلّم المليبـــــاري الذي أعاد للعربية قلبها - Al Midad
تاريخ النشر 2026-05-22 01:15:22 فكرة

حكاية المعلّم المليبـــــاري الذي أعاد للعربية قلبها

صورة الكاتب

عمر الفاروق الهدوي

باحث في اللغة العربية وآدابها، جامعة كنور

هذه حكاية من قرية صغيرة في كنور، التي وصفها الشيخ محمد بن أبي بكر بن أحمد الحسيني الشلي الخضرمي، باعلوي بكلماته الذهبية: «مدينة كنور، ذات البهاء والنور، أضاء من مصباح مشكاتها نور على نور». 
في قرية على ضفاف البحر العربي في كنور، حيث يختلط هدير الماء بظلال جوز الهند، عاش معلّم بسيط اسمه عبد الرحمن المليباري، لم يكن من كبار الأدباء، ولا من العلماء الذين تتردد أسماءهم في المؤتمرات، لكنه كان رجلا تُشعّ العربية من عينيه كما يشعّ الفجر من حافة الأفق. 
كان عبد الرحمن يعلّم الأطفال اللغة العربية في ظل مسجد قديم، مسجد يقول أهل القرية إن أوّل حرف عربي كتب فيه كان قبل أكثر من سبعة قرون. هنا نروي حكاية هذا المعلّم الذي يمثل آلاف الوجوه المجهولة التي حملت العربية في هذه الأرض، وجعلتها جزءا من الذاكرة والهوية والوجدان.
وليست هذه سيرة ذاتية، ولا بحثا، نص أدبي يعيد إلى العربية في كيرالا نبضها الإنساني، ويجعلك أيها القارئ ترى كيف يمكن للغة أن تصبح قدرا جميلا، ومسرى من القلب إلى القلب. 

المعلّم الذي كان يشبه شجرة نارجيل 
حين تجلس أمام عبد الرحمن، تشعر أنك أمام شجرة نارجيل عالية: جذورها في الأرض لكن رأسها في السماء. كان طويل القامة، رقيق الكلام، وكانت العربية تنساب من لسانه كأنها ولدت معه. 
ذات مساء، حين سألته تلميذتها الصغيرة: 
«أستاذي... لماذا تحب العربية كل هذا الحب؟» ابتسم وقال: «لأنها لغة تستطيع أن تقول الحقيقة دون أن تجرح، وأن تصف الحزن دون أن تجعله ظلاما. ولأنها لغة البحر.. والبحر لا يكذب».
لم يفهم الأطفال كل ما قاله، لكنهم شعروا بشيء يشبه الدفء. 
وهكذا، لم يكن عبد الرحمن يعلّم قواعد النحو، بل يعلّم الأطفال أن اللغة ليست كتابا فقط، بل قلب وذاكرة. 

دفتر قديم وورقة سقطت من القرن التاسع عشر
في إحدى الأمسيات، جاء فتى من القرية يحمل دفترا ورقيا وجده في علّية منزل جده. كان الدفتر مكتوبا بالحرف العربي، لكن لغته مزيج من المالايالامية والعربية، تلك اللغة التي يسميها الناس: العربي-مالايالام.
فتح المعلّم الدفتر بيدين حنونتين، كأنه يلمس رضيعا. ثم يدأ يقرأ. وإذا بالصفحات تحمل قصصا قديمة عن البحّارة، وعن السواحل، وعن المعلمين الذين كانوا يكتبون عقود الزواج بالعربية، وعن النساء اللواتي يكتبن الأدعية بالحرف العربي وإن كن لا يعرفن الفصحى. 
قال المعلّم وهو يتأمل الورقة الصفراء:
«هذه الورقة كتبتها يد كانت تحلم.. واللغة التي تحمل الأحلام لا تموت». 
كان الاطفال ينظرن إليه كما ينظر الصيادون إلى البحر قبل الإبحار... بعين يملؤها شغف وخوف ودهشة. 
موانئ بعيدة... ورائحة الطيب والبخور
لم يكن عبد الرحمن يعلم العربية من الكتب وحدها، كان يروي حكايات البحر: عن السفن القادمة من اليمن ومسقط وجدة، وعن التجار الذين كانوا يقايضون البهارات باللؤلؤ، وعن الدعاة الذين كانوا ينزلون من السفن فيحملون معهم القرآن.. ويحملون معهم قصص الصحراء. 
كان يقول لتلاميذه: 
«يا أبنائي.. العربية وصلت إلى كيرالا قبل أن تصل إلى كثير من بلاد العرب... وصلت على ظهور الأمواج»
ثم يضحك ويضيف: 
«ومن يأتي من البحر لا يأتي غريبا». 
كانت هذه الحكايات تجعل الأطفال يشعرون أن العربية ليست لغة بعيدة، بل لغة تشبه بيتا قديما يعود إليه المسافر كلما ضاع الطريق. 

العربية في الهاتف المحمول 
لم يكن عبد الرحمن يرفض التطور. كان يقول إن العربية تستطيع أن تعيش في أي زمان. 
ذات يوم، وقف أمام تلاميذه وقال: 
«إذا كنتم تحبون العربية، فاكتبوها في هواتفهكم، اجعلوا رسائلكم بالعربية، منشوراتكم بالعربية، عواطفكم بالعربية... فاللغة لا تبقى إلا إذا بقيت في القلوب».
شعر الأطفال بأن العربية لم تعد لغة الكتب القديمة فقط، بل أصبحت جزءا من حياتهم اليومية: في الرسائل، في المحادثات، في القصائد الصغيرة التي يكتبونها على هوامش دفاترهم. 

زيارة غير متوقعة
في يوم من الأيام، زارت مدرسة المعلّم وفود من إحدى الدول العربية، جلس أحد الأساتذة العرب يستمع إلى عبد الرحمن وهو يشرح درسا في البلاغة،وبعد الدرس، قال له بدهشة: 
«يا رجل! العربية في لسانك أنقى مما نسمعه في كثير من البلاد العربية»!
ابتسم المعلّم خجلا، وردّ بكلماته البسيطة: 
«العربية يا أخي ليست مِلكا لفرد ولا لأرض.. إنها مِلك لمن يحبها». 
كانت هذه الجملة وحدها مقالا، ورواية وقصيدة. 

حين رحل المعلّم .. بقي صوته
رحل عبد الرحمن ذات مساء هادئ. رحل كما يرحل البحّار حين يطمئن أن السفينة أصبحت في أيدٍ أمينة. لكن صوته بقي: في دفاتر طلابه، في أدعية النساء، في القصائد التي كتبها بعضهم بالعربية ونشروها في الصحف الخليجية. 
بعد وفاته بعامين، نظّم شباب القرية «ملتقى العربية» السنوي. لم يكن ملتقى رسميا، لكنه كان يحمل روح المعلّم. كانوا يقرأون نصوصا عربية، يناقشون الروايات، ويكتبون عن جذور العربية في قريتهم. 
كانوا يقولون: 
«عبد الرحمن لم يعلّمنا العربية... بل علّمنا أن نحبها» 

اللغة التي تأخذ شكل القلب
هذه الحكاية ليست مجرد سرد لذكريات معلّم، بل تجربة تختصر علاقة كيرالا بالعربية: علاقة حب، وانتماء، وتجدد، ووفاء. 
لقد أثبت عبد الرحمن، كما أثبت الآلاف من قبله وبعده، أن العربية ليست لغة قومية محصورة بأرضها، بل هي لغة تستطيع أن تأخذ شكل القلب الذي يسكنها. 

في كيرالا، العربية ليست ضيفة، ولا لغة غريبة، بل هي لغة تشبه البحر: واسعة، صافية، ممتدة... وكل من يغتسل بمائها يعود نقيا.

عدد المشاهدات
x fb whatsapp